محمد فاروق النبهان
22
المدخل إلى علوم القرآن الكريم
رواية رابعة حكاها الماوردي ، وهي أن القرآن نزل من اللوح المحفوظ جملة واحدة ، ثم تولى الحفظة تنجيمه على جبريل ، ثم تولى جبريل تنجيمه على الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم . والحكمة من نزول القرآن منجما تفخيم أمره ، وأمر من نزل عليه ، وإعلام الملائكة بأهمية آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل ، لكي يكون له تميز عن سائر الكتب السماوية . وقد تولى اللّه أمر الإجابة عن تساؤل الكفار الذين قالوا : لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة بأن الإنزال المفرق للقرآن لتثبيت فؤاد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتقوية قلبه ، وتجديد عهده مع جبريل لكي يكون القرآن بالنسبة له نافذة أمل وبسمة رجاء ، يمده بالقوة ، ويعده بالنصر ، ويفسر له المواقف ، ويجيبه عن بعض ما يحتاجه من بيان وتوضيح . ولا أعتقد أننا بحاجة لتأكيد أهمية نزول القرآن منجما من حيث التدرج في مواكبة مراحل الدعوة ، في المرحلة المكية أولا ، والمرحلة المدنية ثانيا ، ومواكبة الأحداث الجسام ، في تاريخ الدعوة ، وكان القرآن هو المدد الإلهي المتجدد الذي يبعث الحياة في المجتمع الإسلامي الوليد ، ويواكب مسيرة الدعوة ، مؤيدا وملهما وناصحا ومسددا . ولا يمكن تصور حياة المسلمين الأوائل بغير ذلك التواصل الإيماني العميق بين السماء والأرض ، عن طريق الوحي المتجدد الملهم ، الذي كان يغذي مشاعر الإيمان ، وينير الطريق لمواكب المؤمنين . قال تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ « 1 » . وقال أيضا : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الشعراء ، الآيات : 192 - 195 . ( 2 ) سورة النحل ، الآية : 102 .